#مقالات

كلمة الرئيس مرسي أمام محكمة الثورة المضادة.. المعاني والدلالات

أثارت كلمة الرئيس مرسي وما تسرب منها أمس أثناء إجراءات محاكمة الثورة المضادة له في القضية المهزلة المعروفة إعلامياً بقضية “التخابر”، التعليقات من كثيرين، مادحين أو منتقدين.. وقد دفعني هذا إلى مزيد من التأمل والتعمق في هذا المشهد واللحظة التي نمر بها واستعادة شريط الأحداث منذ 25 يناير وحتى الآن.

حقيقة الأمر أنني مختلف تماماً مع الرئيس مرسي في منهجية تعامله مع المجرمين الذين انقلبوا عليه، من اليوم الأول، والأمر كان بحاجة إلى حسم وتطهير.. وليس تحاكماً إلى مؤسسات فاسدة يقيناً كانت ستبرئ نفسها وتنقلب عليه.

يتساءل البعض: ماذا كان بوسعه أن يفعل؟ لقد تآمر الجميع عليه؟ الدولة كلها فاسدة وكان حتماً سيحدث هذا.. ألم تر حينما قام بتغيير نائب عام فقط ما الذي حدث؟ اتُّهم بالأخونة!! وغيرها من التساؤلات والعبارات التي توحي بأن الرئيس استنفد كل الطرق والوسائل السليمة والناجعة وأن ما حدث من انقلاب كان حادث لا محالة، مما يلغي فكرة المراجعة النقدية التي تهدف إلى التعرف على مواطن الخطأ لتلافيها مستقبلاً.  أتفهم أن تكون هناك حالة من التعاطف الشديد الممزوج بالاحترام لصمود الرئيس مرسي في وجه الانقلاب ومظلوميته الشديدة الآن، وهو الذي أكنه للرئيس مرسي أيضاً وأدافع عن حقه في ألا يترك منصباً ولاه الشعب المصري إياه الإ بالوسائل الديموقراطية لا الإجرامية، لكن هذا الموقف المبدئي والأخلاقي والإنساني لا يجب أن يمنعنا من أن نقيم بعقلانية الأمور محاولة منا حتى للإسهام في مواجهة الكرب والظلم الذي يتعرض له الرئيس مرسي شخصياً وعشرات الآلاف من المعتقلين وملايين المصريين الذين يعانون من آثار هذا الانقلاب على حياتهم الشخصية والاجتماعية والاقتصادية.

سلم السيسي

صورة أرشيفية للرئيس مرسي وعبد الفتاح السيسي بعد تعيينه وزير دفاع

الحقيقة أن الرئيس مرسي لم يؤخون الدولة، لكنه  أيضاً لم يطهرها (يا ليته أخونها كلها بأمثال الوزير المتميز فنياً وإدارياً وسياسياً وثورياً الوزير باسم عودة فك الله أسره). كان على الرئيس مرسي أن ينحى منحى راديكالياً في تطهير مؤسسات الدولة من فسادها منذ اليوم الأول، لا أن يحاول احتواءها ومحاسبتها بقانونها الفاسد (قانون ساكسونيا). لو تم هذا منذ اليوم الأول بعد خطبته في ميدان التحرير وهو في أوج شعبيته لكان أحدث مزيدا من الالتفاف الشعبي حوله.. نعم الكل تآمر عليه، ومؤسسات الدولة الفاسدة والعميقة كانت كلها متربصة به (وبأي رئيس منتخب شريف كان سيأتي بالمناسبة)، لكن لم تكن هناك إرادة حقيقية للمواجهة بحسم ثوري مطلوب من الرئيس منذ اليوم الأول.. لم يظهر لهم «العين الحمراء».. لما يصارح الشعب بهذه المؤامرات ليلتف حوله.. لم يحتضن -بحكمة- شباب الثورة النقي، وهو الرئيس والقائد المنتخب ليفصلهم عن هؤلاء المتآمرين ويشكل ظهيراً له من شباب الثورة.. لم يستمع لما طالبناه به مرارا ونحن قد نصحناه مرارا.. وأصارحكم القول إنني شخصياً ووجهاً لوجه في لقاءات معه طالبته بحل المحكمة الدستورية وتطهير جهاز الداخلية والخارجية وقطاع الطاقة وغيرها.. للأسف هذا لم يحدث. ظن الرئيس واجتهد مخطئا في علاج هذا الجسد المترهل الذي تفشى فيه المرض اللعين بأقراص دوائية لا تناسب هذا المرض المستفحل الذي يلزمه الكي والاستئصال أولاً، ولا أشك أنه كان يخشى على حياة المريض.. إلا أن هذا الخطأ في العلاج لم ينتج سوى أن تفشى المرض بشكل أسوأ في النهاية متمثلاً بالسيسي – مبارك، فعندما يأتي العلاج متأخراً وبمنهج علاج محدود الفاعلية تكون النتيجة عكسية بأن ينتشر السرطان – عافانا الله وإياكم – بشراهة أكثر.. هذا جانب مهم للتاريخ وللحق وأمانة الراوي.

ما سردته هو تعليقي بمناسبة شهادة الرئيس مرسي المختطف أمام المحكمة. ولكن دع هذا جانباً الآن.. لأن هناك سؤالاً أهم: هل لأن الرئيس مرسي واجه الأمر بشكل إصلاحي خوفاً على مؤسسة الجيش المصري وباقي مؤسسات الدولة من التفكك -كما أورد في حديثه أمام قضاء الثورة المضادة اليوم، والذي أصدقه فيه وأتفهم دوافعه، في ظل تربص كل أدوات الثورة المضادة به منذ اليوم الأول بالطبع، ولخطئه الاستراتيجي المتمثل في غياب إرادة المواجهة والحسم الثوري في الصراع معها من اليوم الأول -هل يغير هذا من حقيقة أن السيسي مجرم وقاتل منذ 25 يناير ووفق تقرير لجنة تقصي الحقائق التي شكله الرئيس مرسي والذي صدر في عهده وينتظر تحقيق النائب العام الذي عينه الرئيس فيه (بالمناسبة انظر ماذا فعل تعيين نائب عام وسط عصابة من أبناء القضاة الذين كانوا يهددونه بالسلاح في مكتبه؟! ألم يكن الأولى أن يتم تطهير وإعادة هيكلة المؤسسة القضائية بالكامل وفي مقدمتها رأس الانقلاب “المحكمة الدستورية العليا” التي قننت الانقلاب، هذا مجرد نموذج لما أسميته علاجاً محدود الفاعلية ومتأخراً). بالطبع لا.. على العكس هذا يثبت أن السيسي ليس فقط قاتلاً في “رابعة والنهضة وعربة الترحيلات” وغيرها من المذابح والجرائم ضد الإنسانية التي تلت الانقلاب.. بل هو العقل المدبر للقتل الجماعي لكل الثوار منذ 25 يناير وحتى الآن.

Unknown-1

صوة أرشيفية للسيسي يحتفي ببعض شباب الثورة و يحتفون به

وبالنسبة للسيسي، نعم انخدع فيه الرئيس مرسي.. تماماً كما انخدع فيه كثير ممن أيدوه في 30- 6 ثم نكل بهم واعتقلهم أو قتلهم أيضاً..وكثيرون ممن التقط هو معهم الصور محتفياً بهم بعد الثورة من شبابها الذين اعتقلهم ونكل بهم ومارس تشويههم وقتل رفاقهم من بعد الانقلاب و إلي الآن.. رجل مخابرات الخداع حرفته وقد خدع كل من حوله وأسمع كل من يريد الرسالة التي يريد أن يسمعها باقتدار (باستثناء المرشح الرئاسي حازم صلاح أبو إسماعيل الذي قرأه منذ اليوم الأول وبالاسم وبكل وضوح وأعلن عنه وبلا مواربة.. فك الله أسره وكل مظلوم).

لكن كيف كان يستطيع أن يشير رئيس جمهورية بالبنان إلى شخص بعينه متهماً إياه بأنه هو العقل المدبر أو المخطط لقتل المتظاهرين دون دليل دامغ واضح؟! وهو قد شكل لجنة تقصي حقائق حققت بحرية وأدانت السيسي وأجهزته.. ثم كان الوقت قد فات وتأخر وصار العلاج محدود الأثر ومتأخراً كما أوردنا.

الآن أدعو حضراتكم إلى التأمل إلي حقيقج صادمة  إن كان الرئيس مرسي ارتكب خطأ منهجياً فادحاً وهو يسعى إلى علاج المنظومة الفاسدة العطبةبشكل “تدريجي” وإصلاحي وليس بشكل “راديكالي” و”ثوري” كما ينبغي، فإن معظم من تعالت أصواتهم ساخرين وساخطين عليه من مدعي الثورية والعمل السياسي حينها تآمروا عليه وشكلوا جبهة لن تنساها صفحات التاريخ المصري السوداء اسمها “جبهة الإنقاذ”.. تلك الجبهة التي تحالفت مع هؤلاء القتلة الذين سعى الرئيس المنتخب لمحاسبتهم من خلال لجان تقصي حقائق.. حتى ولو كانت محاولات إصلاحية غير راديكالية ولا ثورية وغيركافية.. انتبه إلى الفارق: متحالفون مع قاتل لإسقاط رئيس منتخب ثم مؤيدون للقاتل لمزيد من القمع والقتل.

Unknown-3

صورة أرشيفية لوزير الدفاع السيسي وهو يلقي بيان الإنقلاب في 2013/7/3 وسط رموز جبهة الإنقاذ و حزب النور و قيادات المؤسسات الدينية الرسمية وقيادات القوات المسلحة

إذاً كانت هذه هي البيئة السياسية المصرية بكل تنوعها.. وهذه هي حال مصر بعد 60 عاماً من تجريف ممنهج، وهذا ما أفرزته من قوى سياسية مدنية غير عسكرية، وهذه كانت الاختيارات.. قطعاً فإن اختيار الشرفاء سيظل مع إرادة الشعب المصري لرئيس مدني ديموقراطي شريف ووطني بأخطائه أفضل من متآمرين على إسقاط تجربة شعب بالكامل والتحالف مع قتلة لإسقاط رئيس مدني انتخب انتخاباً ديموقراطياً ليُحلّوا محله جنرالاً عسكرياً مستبداً يقتل شعبه ويسجنهم ويقهرهم ويعيد دولة مبارك الفاسدة بصورة أسوأ وأقبح.

للأسف إن كُره هؤلاء للرئيس مرسي وحقدهم على “الإخوان المسلمين” كان أكبر بكثير من حبهم لمصر.. وكل الحجج التي تساق لإثبات إقصاء مرسي لهم حجج واهية، وأنا شاهد على هذا.. هم كانت لديهم رغبة في إسقاطه منذ اليوم الأول، و لم يحضروا اجتماعاً واحداً طلبه فيهم للحوار.. في حين يهرولون متآمرين في الخفاء للسيسي المجرم القاتل للانقلاب عليه.. والآن للتهليل له.

وأنت تفكر في تيار ثالث في حياة سياسية بهذا الشكل بعد الثورة، عليك أن تتذكرشباب الثورة الأنقياء.. هل كان بالإمكان أن يصبحوا هم البديل لتطهير مؤسسات الدولة؟! الحقيقة أن شباب الثورة الأنقياء الذين كانوا يسعون بالاحتجاح فقط والضغط لانتخابات رئاسية مبكرة، قد تم التلاعب بهم بمنتهى السهولة واستغلوا أسوأ استغلال من أجهزة الدولة العميقة والإعلام ورموز جبهة الإنقاذ للنزول يوم 30-6 الذي كان مسوغ القاتل للانقلاب في 3- 7. هم كانوا أقلية في 30- 6.. فلم يسمح لهم بالدخول حتى إلى ميدان التحرير.. أتذكر صديقاً منهم وقف متحدثاً للتلفزيون حينها من أمام قصر الاتحادية: “نحن أمام شرعية ثورية جديدة”.. نعم، قال هذا.. هل هؤلاء الذين تم التلاعب بهم بكل هذه السهولة من القتلة وأجهزتهم الفاسدة لتجميل انقلاب عسكري.. هل كان سيصلح بضع آلاف قليلة ثائرة نقية وغير منظمة في تطهير مؤسسات  الدولة لو أنهم مكان الرئيس مرسي وحزبه المنظم؟؟؟ إن العسكر تلاعب بهم في ثلاثة أيام في حين استغرق عاماً ليتلاعب بالرئيس مرسي و حزبه المنظم!هذا هر الفارق.

ما معنى هذا؟! و ما هي دلالات هذة المعرفة الآن؟ وما هو ما تفرضه علينا نحن كخطوة إيجابية للأمام؟ معنى هذا أننا يجب أن نتوقف حيث نحن الآن ونصحح مسارنا إن أردنا أن تنتصر هذه الثورة.. وستنتصر يقيناً بإذن الله.. معنى هذا أن الرئيس مرسي المنتخب ما زال مختطفاً من عصابة اختطفت الوطن بأسره.. معنى هذا أن الرئيس مرسي رئيس شريف ونزيه أخلص العمل وأخطأ خطأً سياسياً جسيما.. لكنه يظل رئيساً منتخباً بإرادة حرة ومواقفه  من وقت الانقلاب عليه وإلى الآن ..

Unknown-4

صورة أرشيفية لغلاف صحيفة معاريف الصهيونية بعيد إنقلاب 7/3 و يظهر فيها قائد الإنقلاب وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي وقد وصفوه بالبطل الذي أعاد مصر إلي أحضانهم بحسب وصفهم

لا أقول فقط إنه تكفر عن أخطائه السياسية.. بل ستضعه بفضلها صفحات التاريخ في مصاف الكبار والزعماء الذين يضحون بأنفسهم وحياتهم من أجل حرية شعوبهم.. خصوصاً إذا كانت تهمته  التي يحاكم عليها هي التخابر مع “المقاومة الفلسطينية” ضد الاحتلال الصهيوني. تلك التهمة التي لا يتم المحاكمة عليها في أي مكان في العالم سوى في محاكم الكيان الإستعماري الصهيوني، تتم الآن بأيادي قضاء الثورة المضادة في مصر ، وهو ما يعكس بعداً هاماً للانقلاب وخلفية هامة لقائده البطل القومي الذي تحتفي به الصحافة الصهيونية.

 

أما دلالات هذة المعرفة  فهو أن كل شهداء الثورة منذ 25 يناير وحتى الآن ما زالوا ينتظرون من يقتص لدمائهم لتحقيق مصالحة وطنية حقيقية بعد هذا على أسس سليمة، إذ إنه لا تبني أي مجتمعات في موات للعدالة وتفش لشريعة الغاب. وأن السيسي يعتقل الجميع ويقمع الجميع وتلاعب بالجميع، وهو مجرم ويجب محاسبته على كل من قُتل منذ 25 يناير وإلى الآن.

أما ما تفرضه هذة المعرفة وهذة الدلالات على المصريين المؤمنين بثورة 25 يناير وحق المصريين في الحرية و الكرامة و العدالة والتقدم، هو أن تتوحد قوى الثورة الحية وشبابها الذين يعارضون عودة حكم العسكر الآن – وأقول الذين يعارضون حكم العسكر – والذين أخطأ جميعهم ولا أستثني نفسي  لاستكمال ثورتهم وإعلاء إرادتهم واستعادة شرعيتهم الثورية وإسقاط نظام السيسي- مبارك، وإلا فلا معنى للثورة التي نتحدث عنها بالأساس.

حري بنا أيضاً أن نعي أهمية الشرعية الثورية التي تؤسس لمحاكمات ثورية لا محاكمات بمنظومة قضائية فاسدة تحكم بقانون “ساكسونيا”، وهو الخطأ الذي وقع فيه الجميع أيضاً بعد 11 فبراير 2013 وتنحي مبارك وتسليمه السلطة للمجلس العسكري الذي قام بمهمته في إعادة دولة مبارك في شكلها الجديد “السيسي- مبارك” بعد أن تلاعب بالجميع. كما أنه يفرض علينا من وجهة نظري التفكر في كيفية إدارة المستقبل بعد سقوط الانقلاب، مراعين أن تحديات مرحلة ما بعد سقوط الانقلاب لن يستطيع فصيل واحد القيام بمواجهتها، سواءً على صعيد تحقيق العدالة الانتقالية أم تطهير مؤسسات الدولة الفاسدة وإعادة هيكلتها، أم مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.. خصوصاً في ظل الفرقة المجتمعية العميقة التي يرسخها الانقلاب ليسود ويحكم. وهناك العديد من صيغ الديموقراطية التشاركية التي يمكن أن يطلقها الرئيس مرسي صاحب الشرعية بعد سقوط الانقلاب عبر آليات ديموقراطية  وتفاهمات سياسية يتم التوافق عليها مسبقاً بين كل التيارات السياسية التي ستعمل على إسقاطه.. مرحلة كافية من التشاركية السياسية في إدارة الدولة ، و قبل الإنتقال لمرحلة الديموقراطيات المستقرة و التنافس السياسي الحربي ، نتلافى أخطاء الماضي القريب التي وقعنا فيها والتي ينبغي أن نتعلم منها جميعاً. أما من تآمر على القتل والانقلاب وبرر لهما وما زال، فمصيره مصير الانقلاب.

المقال منشور في موقع عربي21

أترك تعليق

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s