#مقالات

خطاب إعلان الفشل وبيع الوهم (1 – 2)

حدث قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي في كلمة مسجلة أذيعت يوم السبت 4 أيلول/ سبتمبر 2014، معلقاً على أزمة الطاقة الخانقة التي تمر بها مصر وما نتج عنها من “سواد” في عموم مصر يوم الخميس 4 أيلول/ سبتمبر 2014، في الوقت الذي كنت قد أرسلت فيه مقالة الأسبوع الماضي “مصر في عصور الظلام” متناولاً الأزمة نفسها للنشر، فلم أستطع أن أتناول بالتحليل ما جاء في كلمته في المقال السابق.

لذلك، ولخطورة مدلولات هذا الخطاب فإنني أفرد هذا المقال (بجزأيه) لتناول ما ورد في خطابه وتحليله تحليلاً موضوعياً.

ملخص خطاب السيسي بحسب ما جاء فيه على لسانه:  أن أزمة الطاقة لن تحل قبل خمس سنوات وتحتاج مصر فيها إلى 12000 ميجا من الطاقة بتكلفة تتراوح من 12  مليار دولار إلى 13 مليارا، وفي موضع آخر تحدث عن الاحتياج إلى 130 مليار جنيه وهو ما يعادل 18 مليار دولار،  بواقع 2.5 مليار دولار سنوياً. وأضاف أن هذا الاحتياج بخلاف تمويل تكلفة تحديث الشبكة الكهربائية وأنظمة التحكم بها لتتحمل ما يضاف من الإنتاج الجديد لتكون لديها القدرة على المناورة. ثم تحدث أيضاً في معرض كلامه وبشكل سريع دون لفت كثير من الانتباه عن الاحتياج إلى 700 مليون دولار سنوياً من الوقود لتدوير هذه المحطات.
وكما أشار في معرض آخر إلى الشركات التي تنتج الكهرباء وتريد بيعها للدولة بالسعر التجاري دون أن تهتم بالسعر الذي تبيع به الحكومة الكهرباء للمواطنين، مؤكداً أن هذه الشركات إن لم تتقاض السعر التجاري لإنتاج الكهرباء فلن يستثمر أحد في مصر.

ودعا المصريين إلى أن يعوا هذه المعلومات وحجم الأزمة، ويكونوا قادرين على حلها ومجابهتها. وأسهب في هذا الإطار ليدلل على أنه لن يستطيع حلها منفرداً دون تكاتف شعبي معه، وأنه لم يعد بشيء من قبل غير هذا  وأنه حذر ونبه إلى هذا من قبل. كما انتقد التعامل الإعلامي مع الأزمة للحد الذي وصل إلى أن تكتب صحيفة واحدة عنوان “الحكومة منورة”، موضحاً أن مثل هذا التعامل الإعلامي “يوتر” المسؤولين العاملين في مجال الكهرباء والحكومة بالشكل الذي قد يؤدي إلى ارتكابهم أخطاء تضر بالبلاد نتيجة العمل في هذه الأجواء من التوتر.

ثم تحدث عن أزمات مرافق أخرى مرتبطة بأزمة الكهرباء وتتأثر سلباً بها، مثل مرفق المياه. وعرج على أزمة الصرف الصحي في ريف مصر وقراها ونجوعها، التي يبلغ عددها أكثر من 4500 قرية وأكثر من 40000 تابع لها، لا تغطي بشبكات صرف صحي إلا بمقدار 20% فقط ، ولإضافة مزيد من التغطية لهذه الشبكة يحتاج إلى مليارات من الجنيهات.

فضلت أن يستحضر معي القارئ ملخص ما جاء في هذا الخطاب حتى نستطيع تناوله بالتفصيل لأنني أعتبره بمنزلة “خطاب إعلان الكذب والعجز وبيع الوهم”، وذلك للأسباب الآتية:

أولا: أكد خطاب السيسي الأخير، كما خطاباته السابقة، احتراف رئيس المخابرات الحربية السابق للكذب والخداع. فلم ننس عندما جمع سحرته «الإعلاميين»، في حملته الترويجية لاغتصاب كرسي السلطة والرئاسة، وحدثهم حينها بأنه يستطيع القضاء على أزمة الكهرباء من دون إضافة محطة كهرباء واحدة بالخدمة (لأنها تستغرق عامين لتشييدها ودخولها الخدمة) حسب قوله، وذلك عن طريق استخدام “اللمبات” الموفرة للطاقة، وأنه سينفذ ذلك في ستة أشهر -وهو المجهود الذي يأخذ في دول أخرى ثلاث سنوات- وبالطبع طأطأ السحرة رؤوسهم مهللين ومباركين.. إذن كان للسيسي حل مقترح لحل أزمة الكهرباء كتبت عنه في حينه إنه “الوهم والضحالة والكذب ممزوجة كلها ببعضها البعض”، فاستبدال اللمبات العادية بالموفرة، سيقلل من استهلاك الكهرباء لا شك، لكنه لن يستطيع حل مشاكل مصر المعقدة من الطاقة بالطبع وهو ما يعلمه طالب إعدادي هندسة أو رجل غير متعلم صاحب خبرة في الحياة.

أين لمباتك يا سيسي؟! ولماذا لم تتحدث في خطابك الأخير عن «كذب» أو «فشل»  أو «وهم» وعودك؟! أم أن السيد محمد السويدي رجل الأعمال الكبير – رئيس اتحاد الصناعات الحالي- وأحد أعضاء حملتك لاغتصاب السلطة وصاحب أكبر مصنع لإنتاج «اللمبات» الموفرة للطاقة بمصر والكائن بمدينة العاشر من رمضان والمسجل بسجل موردي وزارة الكهرباء لتوريد «اللمبات» الموفرة  كانت نصائحه “فشنك” ؟! الحقيقة إن السويدي كان يدعم حملتي المرشحين الرئاسيين الدكتور عبدالمنعم أبو الفتوح وعمرو موسي في آن واحد، نعم في آن واحد كان يدعمهما.. (يعني يمكن واحدة فيهم تغمز ويبقي قريب من الرئيس ويبيع لمبات)  ثم ما لبس أن دعم شفيق بعدما خسر أول رهانين.. وخسر شفيق أيضاً.. ثم أضطر إلى التعامل والتقرب إلى مرسي، لكنه للأسف “معرفش” يبيع “لمبات” ، ثم وصلت به الحال إلى أن أقنع السيسي  للخروج على الهواء ليروج ل “لمباته” الموفرة  كحل إستراتيجي لأزمة الطاقة في مصر.. بصراحة، هو لقى «زبون سقع» يسمع كلامه والعيب مش عليه. مع خالص الاعتذار لعائلة السويدي التي تضم بين أبنائها رجالاً ونساء لهم أياد بيضاء في خدمة مصر وأهلها، ولا ينكر ذلك إلا جاحد، لكن يبدو أن صداقة السيد محمد لجمال مبارك كان لها أثرها عليه .

ثانياً: من أين ستأتي بالغاز لتشغيل المحطات التي تتحدث عنها؟! ولماذا لم تتطرق لهذا في حديثك؟! هل لا تملك القدرة على مواجهة الشعب بها، أم أنك تغيبهم عمداً؟ فإذا كنت تدعي الصراحة في محادثة الشعب ولا تخبرهم بهذه المشكلة العضال.. إذن أنت تريد تغييبهم.

لماذا لم توضح أن للشركات الأجنبية المنتجة للغاز في مصر مديونيات لدى الدولة زادت في عهد انقلابك لتصل إلى 6.5 مليار دولار بعد أن كانت بدأت في التراجع قبل الانقلاب؟! لماذا لا تخبر المصريين أنه من دون سداد هذه المديونيات فإن الشركاء الأجانب لن ينتجوا غاز، وبالتالي لن تعمل هذه المحطات التي تتحدث عنها؟! أم أنك تنوي استيراد الغاز من إسرائيل كما نقلت “رويترز”؟! ولماذا ستستورد الغاز من إسرائيل وأنت تفرط في 20% من إنتاج مصر اليومي من الغاز وهو ما قيمته 32 مليار دولار لصالح الشركة البريطانية العالمية “بي بي” وتصر على تنفيذ تعاقداتها بشمال المتوسط وشرق الإسكندرية، وهو ما أفسده مبارك وجمال وأحمد عز وسامح فهمي؟! و لماذا جئت بوكيل سامح فهمي لشؤون الغاز، والذي باع غاز مصر المستقبلي وزيراً للبترول في عهدك ليستكمل المسيرة؟! ولماذا جعلت عدلي منصور يوقع اتفاقية ترسيم حدود بحرية مع قبرص في ديسمبر 2013 بموجبها تتخلي مصر عن حقول غاز لصالح «قبرص» و«إسرائيل»؟! ثم توقع أنت اتفاقية في أول سبتمبر وأثناء أزمة الظلام هذه اتفاقية مع قبرص تقر فيها بملكيتها لآبار الغاز هذه التي تقدر قيمتها بـ 220 مليار دولار. وبما أن قبرص مرتبطة باتفاقية مع إسرائيل، فإنك ستترك الغاز المصري لهم لتستورده منهم مجدداً.. أين الغاز يا سيسي؟

هل ينوي السيسي خصخصة الكهرباء؟ الإجابة عن هذا السؤال وأسئلة أخرى كثيرة بهذا الشأن في الجزء الثاني من هذا المقال، فإلى لقاء .

المقال منشور بموقع : عربي21

أترك تعليق

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s